Aleppo - Syria

       

 
 

خلوة روحية لميلاد الخلاص ورأس السنة المباركة
 

"المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللنّاس المسّرة"

المجد _ السلام، لله للنّاس، في العلى وعلى الأرض، بهذا النشيد أعلنت جوقة الملائكة من السماء مبشّرةً عمّا جرى، معلنةً بأنّ ميلاد الطفل يسوع يحقّق مجد الله والسلام للناس. سمعان الشيخ أيضاً عندما قدّم الطفل يسوع إلى الهيكل قال:"هذا الطفل سيكون لسقوط وقيام كثير من الناس"(لوقا 2/34). هكذا أيضاً بشّرت الملائكة قائلة بأنّ هذا الطفل هو لمجد الله ولأجل السلام بين الناس، هذا النشيد يمكن اعتباره شرحاً لما جرى في بيت لحم، ميلاد يسوع، وبالتالي من خلال هذا النشيد بإمكاننا أن نفهم معنى ميلاد المخلّص في حياتنا.

لنتأمّل في كلمات هذا النشيد:

" المجد " هذه الكلمة في إطار هذا النص لا تعني فقط البهاء الذي يتحلّى به الله، والذي هو جزء من طبيعته، ولكنّها تعني أيضاً مجد الله الذي كُشف لنا من خلال عمل الله.

الاحتفال بميلاد المخلّص يعني قبل كلّ شيء الاعتراف بوجود الله في حياتنا: إنّه الميلاد، ميلاد الله في حياة كلّ منّا، وعمله فينا يجب أن يكون مناسبة لتمجيده وحمده.

" السلام " هذه الكلمة لا تعني فقط غياب الحروب ولكن أيضاً السلام الداخلي، الخلاص الذي يولد في قلب كلّ تائب. فقط عندما أشعّ نور التواضع والفقر في بيت لحم تحدّث الله عن السلام. يريد الله أن يقول لنا بانّ السلام هو ثمرة توبة القلب المتواضع الفقير.

إلى أن يبقى قلب الإنسان مليء بالكبرياء لا يستطيع الحصول على السلام.

إلى أن يبحث الإنسان عن الغنى الدنيويّ الذي يسمّم قلبه ويبحث عن فرح مزيّف لا يستطيع الحصول على السلام.

لا يمكن فقط البحث عن السلام، السلام هو ثمرة، هو نتيجة، هو هديّة للنّاس المحرّرين من الكبرياء والجشع.

لنبحث عن السلام في الطريق الصحيح.

" لأهل رضاه " بشرى الميلاد هو بشرى الله للإنسانيّة. إذ يجعلنا أبناءه بالتبنّي، يكشف لنا عن سرّ إرادته. الميلاد هو الكشف عن محبّة الله: من خلاله ظهر عطف الله ومحبّته للإنسان. في الميلاد أمطرت السماء علينا حنان الله ومحبّته، "نزلت سما على الأرض".

هناك طريقتان لإظهار المحبّة للآخر. أولاً بتقديم الهدايا للشخص المحبوب. وهذا ما نجده في العلاقات البشريّة فيما بينهم: عندما يولد الحب بين شخصين، أوّل ما يفكّر به المحبّ هو تقديم الهدية للمحبوب للتعبير عن اهتمامه به. هكذا أحبّنا الله في مخلوقاته، المخلوقات هي هديّة الله للإنسان: الهواء، الشمس، القمر، النجوم، الطبيعة، الفضاء...

لكن هناك طريقة أخرى للتعبير عن المحبّة، وهذه الطريقة الثانية أصعب بكثير من الأولى،  ألا وهي بذل الذّات من أجل المحبوب، هذه هي المحبّة التي أحبّنا بها الله من خلال تجسّده بشخص ابنه الحبيب "هناك في مغارة بيت لحم، هناك يوجد الله مضطجع في مزود. ها هو الإعلان المسيحي: هذا هو الإنجيل: الله محبّة. المحبّة عطاء. الله هو محبّة لا متناهية وبالتالي هو عطاء لا متناهي، ولكن من يعطي لا يملك، إذا كان الله عطاء لا متناهي فهو بالتالي فقر لا متناهي، لأنّ الله هو عطاء ، وهو من أسراره. من يعطي لا يعيش لنفسه، لأنّه يعيش لكي يعطي. فإذاً الحبّ أللا متناهي هو أيضاً الفقر أللا متناهي والتواضع أللا متناهي. هذا هو الإعلان المسيحي الكبير".

فقط بعد أنّ نكون قد تأمّلنا في "إرادة الله الطيّبة" نحونا، بإمكاننا أنّ نلتفت إلى "إرادة البشر الطيّبة"، بهذه الطريقة نعيش سرّ الميلاد. هذه الإرادة الطيّبة يجب أن تُفسّر من خلال اقتدائنا بعمل الله. الإقتداء هو: إنّ الله تخلّى عن مجده محبّةً بالبشر، علينا نحن أيضاً، كما يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس 5/1...، الاقتداء بالله والسير في المحبّة. إنّ مجد الله يكمن في محبّته للبشر وليس في أن يكون هو أولاً محبوباً. يقول القديس فرنسيس الأسيزي:" يا ربّ ألاّ ابحث في أن أكون معزّى بقدر ما أن أكون معزّي، ألاّ أبحث في أن أكون محبوباً بقدر ما أن أكون محِبّاً، ألاّ أبحث في أن أكون مفهوماً بقدر ما أن أفهم الآخرين". إنّ الله أحبّنا إلى أقصى الحدود إلى أن بذل بابنه الوحيد من أجل خلاصنا. أي تألّم من أجلنا. سيصل اليوم الذي فيه لم يعد يكفي العطاء ولكن يتوجّب علينا المسامحة، سيصل اليوم الذي فيه لن يكفي تقديم الهدايا ولكن يجب أن نتألّم من أجل المحبوب. هذا ما يحصل في سرّ الزواج وفي العزوبيّة وفي الحياة المكرّسة. ما يكون في البداية عطاء وفرح بدون عناء، مع مرور الزمن  وفي لحظة ما يصبح خطر وعبئ وتجربة، يتطلّب منّا نكران الذّات للحفاظ على الأمانة. فقط في تلك الحالة يظهر مدى اقتدائنا بالله.

الاقتداء بسرّ الميلاد اليوم الذي نحتفل به، يعني التخلّي عن كلّ ما يبرّر مواقفنا، التخلّي عن كلّ إهانة وجّهت إلينا، أن نمحي من قلوبنا كلّ حكم تجاه الآخر. ألاّ نحمل فينا أيّ فكر غير سليم ضد الآخرين: لا ضدّ القريب ولا ضدّ البعيد، لا ضدّ الضعفاء ولا ضدّ الأقوياء، لا ضدّ الكبار ولا ضدّ الصغار على هذه الأرض. كلّ هذا لكي نقدّم الإكرام اللائق لميلاد السيّد المسيح، لأنّ الربّ لا ينظر إلى ضعف البشر، لا ينظر إلى الإهانات التي توجّه إليه، لا ينتظر منّا بأنّ نقوم بالخطوة الأولى نحوه. هذا هو التخلّي، فإذا كان هذا التخلّي غير ممكن لي خلال العام، أقلّه أقوم به في زمن انتظار الميلاد وبعده.

تمجيد الله، ليس هو رغبة في الفراغ بل هو واقع، وعلينا أن نجعله واقعيّاً من خلال صلاتنا وأعمالنا. فعندما نختتم صلاتنا بـ "المجد للأب والابن والروح القدس..." فإرادتنا هي أن يتمجّد اسم الله.

"المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللناس المسرّة"

أتأمّل في صمت:

-       هل أشعر بأنني شاب/شابة محبوبٌ من الله؟

-       كيف استطيع أن أمجّد الله في هذا الميلاد؟

-       "طوبى لفاعلي السلام" ماذا تعني لي هذه التطويبة في حياتي الشخصيّة وضمن مجموعتي؟

يا ربيّ ويا إلهي، لتخلّصنا رحمتك ولتحرّرنا محبّتك من كلّ شر.آمين