Aleppo - Syria

       

 
 

عيد ميلاد في فرنسا
 

كانت عشية عيد ميلاد قارصة البرودة عام 1952 في فرنسا . وكانت هناك أم حامل، صغيرة السن تدعى جولييت . قتل زوجها مؤخرا في الحرب ، ولم يكن لديها أحد آخر تتجه إليه، فراحت تعرج فوق الجليد متجهة إلى أحد الأديرة الذي يقع في الناحية الأخرى من القرية حيث كانت تعلم أنها ستجد المعونة هناك ، وقد تجمدت دموع الحزن على وجنتيها، إذ وجدت نفسها وحيدة وحزينة...
وكان هناك فى الطريق بالقرب من الدير قناة عميقة يربط ضفتيها جسر، وبينما جولييت تتعثر قدماها متجهة الى الدير، فاجأتها آلام المخاض بشدة. فوقعت وأدركت أنه لن يمكنها مواصلة طريقها مرة أخرى، فزحفت تحت نهاية الجسر. وهناك ولدت بمفردها وهي وحيدة وطفلها الذي ولدته كان ذكراً.
لم يكن لدى جولييت أي شيء غير ملابسها الثقيلة المبطنة التي ترتديها. فأخذت تخلعها قطعة بعد الأخرى وتلفها حول المولود، الذي كان لا يزال مرتبطا بها بواسطة حبل الصرّة وبعد ذلك داهمها الإعياء فرقدت ساكنة على الجليد بجوار ابنها الوليد.
فى صباح اليوم التالى، كانت راهبة من راهبات الدير وأسمها( سور كاترين) متجهة إلى القرية ، تقود سيارتها عبر ذلك الجسر ومعها سلة ممتلئة بالأطعمة كهدية عيد الميلاد لأحد العائلات المحتاجة. وفى طريق عودتها للدير، ولدى اقترابها من الجسر إذ بالسيارة تقف وذلك بسبب نفاذ البنزين.
خرجت تلك الراهبة من السيارة وبدأت تعبر الجسر سائرة على قدميها. وإذ بها تسمع صوت صراخ طفل خفيف... توقفت للحظة لتتأكد من ذلك الصوت، وإذ بها تسمع الصرخة الخافتة مرة أخرى وكأنها صادرة من تحت الجسر !.

زحفت ( سور كاترين)  تحت الجسر لتبحث عن مصدر الصوت وهناك وجدت ولداً صغيراً مقمطاً ، دافئا ولكنه جائع، ووجدت أم ذلك الطفل متجمدة حتى الموت.  بعد أن قطعت حبل الصرّة، أخذت الطفل معها للدير. وبعد أن اعتنت به عادت ومعها بعض المعاونين، حيث حملوا جثمان الأم جولييت إلى قرب المكان الذي كانت تعيش فيه حيث دفنوها.
سمت الراهبة المولود نويل، وتبنته. كان قويا وبصحة جيدة وهكذا نما وسط كثير من الأطفال اليتامى الآخرين الذين كانت ( سور كاترين)  ترعاهم، ولكن نويل كان ذو منزلة خاصة لديها. وكثيراً ما كانت تقول له "والدتك أحبتك حباً عظيماً يا نويل"، وقد برهنت على حبها العظيم لك بأنها ماتت متجمّدة لأنها خلعت ثيابها لتلفك بها، لم يملّ هذا الصبي أبدا من السماع عن أمه التي أحبته بهذا المقدار .
فى يوم عيد الميلاد الموافق لعيد ميلاد نويل الثانى عشر، كان الثلج يتساقط. وبعد أن أحتفل الأطفال بعيد ميلاد نويل، ذهب فجلس بجوار الراهبة وقال لها متسائلا : هل تعتقدين أن الله سمح أن سيارتك تفرغ من البنزين ذلك اليوم حتى يمكنك أن تجدينى ؟ " . فأجابته قائلة " ربما هو فعل، لأنه لو لم تتعطل السيارة يومها ما كنت قد وجدتك. ولكننى مسرورة جداً أنها توقفت يومها، فأنا أحبك كثيراً كما أننى فخورة جداً بك يا نويل". ثم أحاطته بذراعيها .
أسند نويل رأسه عليها وقال "ماما كاترين ، هل تسمحين وتأخذيني الى مقبرة والدتي؟  فأنا أريد أن أشكر الله من أجلها، وأشكرها أيضا لأنها وهبتني الحياة. " فقالت له " نعم ولكن ارتدي معطفك الثقيل فالجو شديد البرودة ".
بجوار المقبرة ، طلب نويل من ماما كاترين أن تتركه وحده وتنتظره. فمشت بعيداً وانتظرت. وإذا بماما كاترين تملأها الدهشة وهى تراقب الغلام وقد بدأ يخلع ملابسه الدافئة قطعة بعد الأخرى. ظنت أنه بالتأكيد لن يخلع كل الملابس! لأنه حتما سيجمد. ولكن الغلام نزع عن نفسه كل شئ، ووضع جميع الملابس على قبر والدته، ثم ركع عاريا على الجليد وهو يرتجف بشدة من البرد. انتظرت (سور كاترين ) دقيقة ثم دقيقتين. ثم بعد ذلك تقدمت ووضعت يدها على كتف الصبي...  
نظر إلى سور كاترين ثم إنحنى نحو القبر وفى حزن عميق صرخ الغلام من أجل والدته التى لم يعرفها على الإطلاق " هل بردتي هكذا بل وأكثر من هذا من أجلي يا أمي؟ " ، ثم بكى بمرارة لأنه عرف بالطبع ، أنها عانت أكثر من ذلك .

 

لقد أخلى الرب يسوع نفسه من أجلك ومن أجلي... إفتقر وهو الغني لكي يغنينا نحن الفقراء ولد في مغارة بعيدا عن القصور ... الذي لم يفعل خطية صار خطية لإجلي ولإجلك لكي يلبسنا ثياب بره هو...احتمل كل آلام الصليب، لكي لا نحتمل نحن عذاب جهنم ... فهل أدركت فعلا مقدار محبته لك؟ بالتأكيد هذا ما فعله هو من أجلنا.

 

بقلم: جورج راهبة